ابن عربي

92

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

لو أنّ إبليس رأى من آدم * نور محيّاها عليه ما أبى قيل لإبليس : اسجد لآدم ، فغاب عن لام الخفض التي هي إشارة إلى لام الإضافة ، واحتجب العلم عنه بذكر آدم ، فلو رأى اللام من قوله لآدم لرأى نور محيّا هذه الذات المطلوبة لقلوب الرجال ، فما كانت تتصور منه الإباءة عما دعاه إليه ، فاحتجب إبليس واستكبر بنظره إلى عنصره الأعلى عن عنصر آدم الترابي ، فلما رأى الشرف له امتنع عن النزول للأخسّ ، وما عرف ما أبطن اللّه له فيه من سبحات الأسماء الإلهية والإحاطة . لو أنّ إدريس رأى ما رقم * الحسن بخدّيها إذا ما كتبا إدريس : من الدرس ، وهو العلم المكتسب مقام أيضا شريف ، يقول : لو أنّ صاحب العلم النظري الإلهي رأى ما كتبه بالرقم العياني الإلهي بوجه هذه الصفة المطلوبة ما طلب اكتساب علم ولا كتب علما أصلا ، فإن كل علم مندرج في هذا المشهد العظيم العياني ، ثم قال : لو أنّ بلقيس رأت رفرفها * ما خطر العرش ولا الصرح ببا حقيقة برزخية بين الإنس والجن ، ورفرفها : مرتبتها ، والهاء تعود على هذه النكتة المطلوبة الذاتية ما خطر لها عظيم مقامها الذي هو سرير ملكها ، ولا الصرح السليماني لها ببال ، إذ هولها في عظيم ما تراه في علو مرتبتها ، وهذه الحقيقة البرزخية يشهدها السالك عند انفصالها عن ترابيّته إلى ناره من حيث اجتماع طرفي الدائرة لا على ما يقتضيه الترتيب الطبيعي عن الانفصال عن التراب إلى الماء إلى الهواء إلى النار ، وقوله : ببا ، حذف اللام للدلالة عليها فيما يقتضيه الكلام ، وإنما حذف اللام لمعنى آخر ليبقى حرف الباء خاصة وهو مقام العقل الذي هو في ثاني مرتبة من الوجود كما أنّ الباء في المرتبة الثانية من الحروف ، فكأنه يقول : إذا أقيمت هذه الحقيقة البرزخية في مقام التمليك لمرتبة العقل التي هي أقصى المراتب فيكون ذلك عرشها وحالها وصرحها لم يخطر لها ببال ، فكيف إذا كانت مع صورتها البرزخية ، ثم قال : يا سرحة الوادي ويا بان الغضا * اهدوا لنا من نشركم مع الصّبا « 1 » يريد بالوادي مسيل المعارف في قلوب العباد من حيث هم عباد ، والغضا : مقام المجاهدة « 2 » ، وبانة وسرحة الوادي : هما ما أنتجه لهم الدخول في هذه المعاملات ، يقول لهما : اهدوا لنا من طيبكم الطري مع عالم الأنفاس التي تكون عند التجلي ،

--> ( 1 ) الغضى : شجر عظيم خشبه من أصلب الخشب ، وجمره يبقى زمانا طويلا لا ينطفئ بسرعة ، وفحمه صلب . ( 2 ) انظر الرسالة القشيرية ص 97 - 101 ( المجاهدة ) .